فخر الدين الرازي
89
تفسير الرازي
وأما قوله تعالى : * ( فيها فاكهة والنخل ) * ( الرحمن : 11 ) وقوله : * ( والحب ذو العصف ) * ( الرحمن : 12 ) فلبيان نعمة الأرض على التفصيل ثم في اختيار الثمانية لطيفة ، وهي أن السبعة عدد كامل والثمانية هي السبعة مع الزيادة فيكون فيه إشارة إلى أن نعم الله خارجة عن حد التعديد لما أن الزائد على الكمال لا يكون معيناً مبيناً ، فذكر الثمانية منها إشارة إلى بيان الزيادة على حد العدد لا لبيان الانحصار فيه . المسألة الثانية : النجم ماذا ؟ نقول : فيه وجهان أحدهما : النبات الذي لا ساق له والثاني : نجم السماء والأول أظهر لأنه ذكره مع الشجر في مقابلة الشمس والقمر ذكر أرضين في مقابلة سماوين ، ولأن قوله : * ( يسجدان ) * يدل على أن المراد ليس نجم السماء لأن من فسر به قال : يسجد بالغروب ، وعلى هذا فالشمس والقمر أيضاً كذلك يغربان ، فلا يبقى للاختصاص فائدة ، وأما إذا قلنا : هما أرضان فنقول : * ( يسجدان ) * بمعنى ظلالهما تسجد فيختص السجود بهما دون الشمس والقمر ، وفي سجودهما وجوه أحدها : ما ذكرنا من سجود الظلال ثانيها : خضوعهما لله تعالى وخروجهما من الأرض ودوامهما وثباتهما عليها بإذن الله تعالى ، فسخر الشمس والقمر بحركة مستديرة والنجم بحركة مستقيمة إلى فوق ، فشبه النبات في مكانها بالسجود لأن الساجد يثبت . ثالثها : حقيقة السجود توجد منهما وإن لم تكن مرئية كما يسمح كل منهما وإن لم يفقه كما قال تعالى : * ( ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) * ( الإسراء : 44 ) ، رابعها : السجود وضع الجبهة أو مقاديم الرأس على الأرض والنجم والشجر في الحقيقة رؤوسهما على الأرض وأرجلهما في الهواء ، لأن الرأس من الحيوان ما به شربه واغذاؤه ، وللنجم والشجر اغتذاؤهما وشربهما بأجذالهما ولأن الرأس لا تبقى بدونه الحياة والشجر والنجم لا يبقى شيء منهما ثابتاً غضاً عند وقوع الخلل في أصولهما ، ويبقى عند قطع فروعهما وأعاليهما ، وإنما يقال : للفروع رؤوس الأشجار ، لأن الرأس في الإنسان هو ما يلي جهة فوق فقيل لأعالي الشجر رؤوس ، إذا علمت هذا فالنجم والشجر رؤوسهما على الأرض دائماً ، فهو سجودهما بالشبه لا بطريق الحقيقة . المسألة الثالثة : في تقديم النجم على الشجر موازنة لفظية للشمس والقمر وأمر معنوي ، وهو أن النجم في معنى السجود أدخل لما أنه ينبسط على الأرض كالساجد حقيقة ، كما أن الشمس في الحسبان أدخل ، لأن حساب سيرها أيسر عند المقومين من حساب سير القمر ، إذ ليس عند المقومين أصعب من تقويم القمر في حساب الزيج . ثم قال تعالى : * ( وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ) * . ورفع السماء معلوم معنى ، ونصبها معلوم لفظاً فإنها منصوبة بفعل يفسره قوله : * ( رفعها ) * كأنه تعالى قال : رفع السماء ، وقرئ * ( والسماء ) * بالرفع على الابتداء والعطف على الجملة الابتدائية التي هي قوله : * ( الشمس والقمر ) * ( الرحمن : 5 ) وأما وضع الميزان